أخبار

بوحديد بالهادي: الهجمة العنيفة التي يتعرض لها مجتمع الميم تقف وراءها أجندات سياسية

بوحديد بالهادي: الهجمة العنيفة التي يتعرض لها مجتمع الميم تقف وراءها أجندات سياسية

منذ ثورة 14 جانفي 2011  طفت على السطح العديد من القضايا التي تخص الحريات سواء حرية التعبير أو الحريات الفردية بمختلف أنواعها على غرار حرية المعتقد التي ضمنها دستور 2014 في فصله السادس و الحريات الجنسية التي أصبح من الممكن الخوض فيها عبر مواقع التواصل الاجتماعي و حتى وسائل الاعلام رغم عدم تقبل نسبة كبيرة من المجتمع التونسي لمجتمع الميم شهدنا نشاطا  غير مسبوقا توج بتأسيس جمعية شمس و تلتها جمعيات أخرى تعنى بهذا الشأن..

المدير التنفيذي التنفيذي لجمعية شمس بوحديد بالهادي يتحدث لـ”ارابسك” في الأسطر التالية عن التغيير الذي شهده مجتمع الميم في تونس و التحديات التي يواجهها قانونيا و مجتمعيا.. 

ما الذي تغير في وضعية الأقليات الجنسية بتونس بعد صعود أصوات مثل جمعية شمس و جمعيات أخرى مدافعة عن هذه الاقليات ؟

ساهمت الطفرة التي عرفتها الحركات الحقوقية المختصة في الدفاع عن مجتمعات الميم-ع ، ما بعد 2015 انتقالا نوعيا تعلق خاصة بالتعريف بالقضايا المتعلقة بهذه المجموعات الهشة قانونيا و مجتمعيا و إخراجها من نطاق الأبواب المغلقة الى المشهد العام و النضال العلني، الهادف و الموجه.

ساهم هذا الظهور في انطلاق نقاش مجتمعي،كان منبعه تأسيس أول جمعية معترف بها قانونا من قبل الدولة و متخصصة في الدفاع عن قضايا الميم-ع في تونس، في فتح أبواب النقاش داخل أزقة المجتمع بمختلف أطيافه. و لئن كانت ردود الأفعال عنيفة في فترة ما ،الا ان هذا الطرح الغير مسبوق لقضية لا تزال مصنفة على أنها ” تابو “، خلق نوع من الصدمة داخل المجتمع و هو في تقديرنا منبع كل تغيير مجتمعي.

 حقق هذا الحراك الحقوقي و هذه الاستراتيجية التي اعتمدتها شمس العديد من التقدم، و ان كان في مجمله نسبيا وسط الزخم الهووي الذي عرفته تونس في فترة ما بعد الثورة. فيمكن اليوم مثلا الحديث عن المواضيع و القضايا المتعلقة بمجتمع الميم-ع تقريبا في كل الأوساط العامة بما في ذلك الاعلام، المجال الاكاديمي و البحثي، المشهد السياسي العام و في الأطر الحزبية و السياسية المضيقة و غيرها من المجالات الأخرى التي لم يسبق لها ان تطرح هذه القضايا.

و هو ما ساهم في تحقيق العديد من الخطط الاستراتيجية التي وضعتها شمس لنفسها في مجال الدفاع عن قضايا منظوريها، بما في ذلك ” فضح ” كل التجاوزات التي تطال الأشخاص الميم-ع على مختلف الأصعدة، بما في ذلك التجاوزات القانونية انطلاقا من استمرارية الأجهزة القضائية في تطبيق الفصل 230 من المجلة الجزائية و الذي نعتبره فصلا غير دستوري، إضافة الى التشهير بالاعتداءات الجسدية و المعنوية التي تطال الميم-ع بما في ذلك الفحوص الطبية الشرجية التي تصنفها كل المنظمات العالمية على أنها شكل من أشكال التعذيب.

ساهمت هذه السياسة ( أي التناول العلني لقضايا الميم-ع ) في فرض النقاش على المشهد العام باعتبارها قضية حقوقية دستورية مفصلية يروح ضحيتها سنويا مئات المواطنات و المواطنين غير المعياريات.ين. من جهة أخرى ،ساهم الطرح العلني لقضايا الميم-ع حتى في الخروج بها من النطاق الضيق و الوطني الى نطاق عالمي عن طريق التعريف بها دوليا، حيث أصبحت هذه القضية محل متابعة من جل الأطراف الدولية المتداخلة على رأسها منظمة الأمم المتحدة و الاتحاد الأوروبي و غيرها من المؤسسات الدولية التي تتجسد في سياستها عولمة التقدم الحقوقي لتمتد نحو تأميم الجيل الرابع لحقوق الانسان ( الحقوق الجنسية و الإنجابية ).

ساهم هذا التمشي بالاندماج بجوهر الدستور التونسي في تيارات التقدم على مستوى حقوق الانسان الكونية و تمهيدا به و منه الى تعديل كل القوانين التي تصغره هرمية بما يتناسب معه و مع الالتزامات الدولية للدولة التونسية و التخلي عن كل الأساليب القمعية و العنف المسلط على مجتمع الميم-ع على الصعيد القانوني و المؤسساتي. أما مجتمعيا، فقد ساهم ظهور التيارات و الجمعيات الناشطة و التي تتبنى الدفاع عن مجتمع الميم-ع الترسيخ النسبي لمبدأ عدم التمييز و توضيح كل المفاهيم المرتبطة بهذه القضية و هشاشة الأشخاص ” الاقليين ” تجاه مختلف ظواهر العنف المسلط عليهم.ن و الذي ، قطعا، لم و لن يكون الحل لتحسين و تطوير الرابط المجتمعي المبني على ثقافة الاحترام و قبول الاخر المختلف دون أي تمييز. 

– هجمة كبيرة يتعرض ليها مجتمع الميم، تحريض و تهديد برأيكم هل هي هجمة منظمة يقف ورائها جهات أو أطراف معينة ؟

 طبيعة الهجمات التي يتعرض لها مجتمع الميم-ع تحمل عديد التأويلات، يمكن تلخيصها في نقطتين أساسيتين : 

– المنبع الثقافي : حيث ان المجتمع التونسي لا يزال متشبثا بالطابع المحافظ الذي يرتقي أن يكون غريزيا فيه. ان في التركيبة الفكرية و الثقافية للمجتمع التونسي سيطرة مطلقة للفكر الذكوري الذي يمنع العقلية الأغلبية من استيعاب أي اختلاف مبني على التوجه الجنسي و الجندري. نحن نعيش في مجتمع يعتقد أغلبيته ان لهم الوصاية على الاخر في نبذهم المطلق لمفهوم الفرد و الفردانية و التوجه اللاوعيي و الالي الى المفهوم الجمعي و الثقافة الواحدة و السائدة. مع تداخل و تقاطع بين هذه العناصر المذكورة و طغيان ” العادات و التقاليد ” على العقلية التونسية الجمعية، أصبح جليا ان الاختلاف المبني على الهوية الجنسية و الهوية الجندرية و تعبيراتها صارت ( كما كانت ) في قلب إعصار النبذ و الكراهية التي تجسدت في العنف و التحريض و التهديدات و التي وجدت لها حاضنة سياسية توجهها لخدمة اجنداتها.

 – المنبع السياسي و الذي هو في تقديرنا موجه و مسيطر على موجات العنف و التحريض على مجموعات الميم-ع. مع ظهور و تطور الحركات الشعبوية في تونس و بلوغها مراكز القرار و السلطة، و مع يقينها بالتعاطي المجتمعي لهذه القضايا، أصبحت قضية الميم-ع ” سلعة ” سياسية بين يدين الأطراف المحافظة لتستقطب و تستعطف بها الرأي العام من جهة ( و هو ما شاهدناه مثلا في مداخلات العديد من السياسيين من بينهم محمد العفاس ) إضافة الى تدعيم استعراضاتها ال”ذكورية” و مهرجانيتها السياسية و التي تجسدت كذلك في الجانب المؤسساتي للدولة و حملات ” الصيد ” و التعنيف التي تطال اشخاص الميم-ع من قبل اما البوليس الذي لا يتوانى عن التنكيل بالميم-ع في كل فرصة تتاح، من ذلك النقابات الأمنية التي شهدنا مؤخرا استعمالها لخطابات هوموفوبية و ترانسفوبية إضافة الى الخطابات الأيديولوجية الإسلامية.

 في تقديرنا اليوم ان كل هذه الحملات التي تطال الميم-ع هي حملات قطعا موجهة، تقف وراءها أجندات سياسية همها الوحيد هو من جهة، اظهار طابعها الذكوري المتسلط، و من جهة أخرى المعاداة المعلنة للمنظومة الكونية لحقوق الانسان و الأشخاص المنتمين للفئات الهشة و المدافعات و المدافعين عن حقوقهم.ن. 

الى غاية الآن يتم محاكمة العديد من الشباب حسب الفصل 230 من المجلة الجزائية أين وصلت تحركاتكم في هذا الصدد ؟

ندرك جيدا أن صراعنا ضد القوانين القمعية، من ذلك الفصل 230 و الفصلين 226 و 226 مكرر من المجلة الجزائية، هو صراع وجودي بطابع سياسي بامتياز. و لئن وضوح عدم دستورية الفصل 230 لا يتطلب الكثير من التحليل و التمعن، الا ان الطبقة السياسية لا تزال تشهد تذبذبا في تبني هذه القضية.

حاولت شمس في مرحلة سابقة ( مع البرلمان السابق ) تمرير ترسانة من القوانين التي تحد أهم التجاوزات التي تطال الأشخاص الميم-ع من ذلك تجريم الفحوص الطبية الشرجية, تجريم الاعتداء على المعطيات الشخصية و اعتمادها كدليل لادانةالمحالين أو المحالات على الفصول 230، 226، 226 مكرر، إضافة الى مشروع قانون لالغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية.

تبنى العديد من النواب طرح شمس من بينهم البعض من نواب حركة مشروع تونس و غيرهم من مختلف الكتل البرلمانية وقتها. لم يكلل هذا المجهود بالتبني لمشاريع القوانين بحكم الازمة السياسية التي شهدها البرلمان السابق و انتهاء مدته النيابية. يبقى الهدف الأساسي لشمس هو الغاء الفصل 230 من المجلة الجزائية وفقا للمعايير الدستورية و الدولية التي يحتمها التزام الدولة و مختلف أجهزتها في ” ترويم ” القوانين العادية مع الأعلى هرميا.

لا نعتقد ان المشهد السياسي الحالي مخول و قادر على مناقشة كل القضايا المتعلقة بالحقوق و الحريات الفردية بحكم سيطرة الخطاب الشعبوي و انعدام الكفاءات البرلمانية القادرة على التعاطي المبدئي و المؤطر لهذا الطرح، خصوصا في ظل غياب الضمانات الدستورية على رأسها المحكمة الدستورية الكفيلة بالتعاطي الموضوعي و الملتزم مع مختلف القضايا المماثلة.

الا ان شمس، تواصل عملها على مختلف الجوانب الأخرى التي من شأنها تعبئة النخب و التيارات السياسية التقديمة و الديمقراطية و مختلف منظمات المجتمع المدني الوطني و الدولي و الطبقات و التوجهات الشعبية المناصرة من أجل استمرارية العمل على الغاء كل الفصول القانونية و الممارسات اللادستورية ، على رأسها الفصل 230، 226. 226 مكرر من المجلة الجزائيةو كل الأساليب الإجرائية الممهدة لتطبيقها.

ما هو ردكم على الإتهامات التي تطال أعضاء جمعية شمس التي تفيد بأن المنخرطين فيها هدفهم طلب اللجوء الى الخارج ؟

يبقى الحق في اللجوء مبدأ إنسانيا لا يتجزأ عن المنظمة الحقوقية والكونية لحقوق الانسان.ويظل كذلك خيارا فرديا لا وصاية لأحد عليه و على المتمتع أو المتمعة به ، شمس هي الجمعية الوحيدة في تونس التي تطرح نفسها كجمعية متخصصة في الدفاع عن حقوق الميم-ع في تونس بطريقة علنية. الامر الذي جعل مهمتها أكثر صعوبة خصوصا أن هذا النشاط المتخصص و العلني جعلها و جعل نشطاءها في فوهة المدفع و الأكثر عرضة للاعتداءات و التهديدات و الهرسلة من قبل أجهزة الدولة و من قبل افراد المجتمع.

بالنسبة لشمس ، نضع دائما و أبدا أولوية السلامة الجسدية و النفسية لمختلف الناشطين و الناشطات فيها و لكل الأشخاص المنتمين الى مجتمع الميم-ع في تونس ، و الدفاع و اسناد خيارات كل شخص في كيفية حماية نفسه استباقيا أو في مرحلة ما بعد تحقق الخطر. و لم يخف على أحد ان الناشطين و الناشطات و الأشخاص العاديين الذين التجؤوا الى خيار اللجوء قد تعرضوا الى التهديد و الهرسلة و العنف مما أدى الى استحالة مواصلة عيشهم في تونس.

في ظل دولة قامعة للحريات الفردية و لحقوق الانسان الكونية، لا يمكن تحميل مسؤولية نفور المواطنين و المواطنات منها الا لمنظومتها الرجعية ضد كل الأشخاص المختلفين عن الطابع المعياري بما في ذلك أشخاص الميم-ع الذين يعانون من مختلف اشكال الوصم و التمييز و التشفي سواء اجتماعيا او قانونيا باعتبارهم.ن مواطنين و مواطنات من الدرجة الثانية.

و في الاعتراف بالحقوق، و غياب سياسة عقابية لكل المعتدين عليهم.ن ( أي سياسة الإفلات من العقاب ) و حرمان الميم-ع من ابسط حقوقهم.ن الحمائية أهمها الحق في الولوج الى العدالة، يتواصل نزيف الهروب من الدولة القامعة الى دول أخرى تحترم الاختلاف و قبول الأخر و الكرامة البشرية و لا يتحمل مسؤولية ذلك الا الدولة التي تلاحق مواطنيها المختلفين على أساس ميولهم.ن و توجهاتهم.ن. من حق كل فرد العيش في المحيط الذي تتحقق فيه ذاته و كرامته مهما كان انتماؤه, دون وصاية على ذلك و بدعم من مختلف الاطياف الجمعياتية المعنية بالدفاع عن حقوقها.

هناك من يقول في الساحة السياسية او حتى الناشطين في المجتمع المدني ان تفعيل قانون الحريات الفردية ليس وقته هل تعتبرون ان هذا الأمر يهدد واقع الحريات بصفة عامة و أفراد مجتمع الميم بصفة خاصة في تونس ؟

لا نرى في ذلك الا اما تملصا من المسؤولية التاريخية التي تحتمها المرحلة أمام نزيف الاعتداءات التي تطال مجتمع الميم-ع، أو خدمة لأجندا سياسية همها الوحيد هو الحفاظ على قواعدها الانتخابية. فبدل لعب الدور القيادي في تغيير العقول و طرح القضايا التي من شأنها مزيد تحقيق السلم الاجتماعي و اندماج كل المواطنين و المواطنات في القضايا الوطنية، تظل هذه الأطراف في موقع هروب و تملص سلبي خوفا من ردة فعل المجتمع ربما.

أما من يفضل قضية عن قضية، فلا نرى جدوى من تصنيف نفسه منتسبا للعائلة الديمقراطية المدنية،هو موقف رجعي انتقائي لا يختلف في مضمونه عن السياسة الاقصائية التي تعتمدها الأطراف المحافظة و الشعبوية في تعاطيها مع مختلف القضايا الحقوقية الفردية من ذلك قضية الميم-ع.

تونس اليوم تمر بمرحلة انتقال ديمقراطي أساسه هو إعادة الاعتبار لكل افراده في تحقيق الكرامة الوطنية، كجزأ لا يتجزأ من شعار الثورة الشامل ” شغل … حرية … كرامة وطنية “. نحن نعتبر بأننا نمر بمرحلة بناء جوهرها هو دستور تونس 2014 و اعتباره كسند أساسي و جوهري في بناء مجتمع مختلف متنوع يجد كل الأشخاص،مهما كان اختلافهم فيه كرامتهم و ذواتهم.

ليس للكرامة وقت محدد، ليس للحق وقت محدد و ليس للحرية وقت محدد خصوصا مع نزيف الاعتداءات و التمييز و كثرة الضحايا على أساس الهوية الجنسية و الجندرية, ما دمنا نطمح لبناء الدولة المدنية الديمقراطية المنية على معنى ” الفرد المواطن ” و  التي وصفها الشهيد شكري بلعيد ” بالحديقة بميات وردة و ميات لون … نختلفوا و نتنوعوا داخل اطار مدني سلمي ديمقراطي “.

المصدر ”ارابسك”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى